ابن أبي العز الحنفي
213
شرح العقيدة الطحاوية
ثم قد صار لفظ « التأويل » مستعملا في غير معناه الأصلي . فالتأويل في كتاب اللّه وسنة رسوله : هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام . فتأويل الخبر : هو عين المخبر به ، وتأويل الأمر : نفس الفعل المأمور به . كما قالت عائشة رضي اللّه عنها : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يقول في ركوعه : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي » يتأول القرآن « 179 » . وقال تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ الأعراف : 53 . ومنه تأويل الرؤيا ، وتأويل العمل ، كقوله : هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ يوسف : 100 . وقوله : وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ يوسف : 6 . وقوله : ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا النساء : 59 . وقوله : سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً الكهف : 78 ، إلى قوله : ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً الكهف : 82 ، فمن ينكر وقوع مثل هذا التأويل ، والعلم بما تعلق بالأمر والنهي منه ؟ وأما ما كان خبرا ، كالإخبار عن اللّه واليوم الآخر ، فهذا قد لا يعلم تأويله ، الذي هو حقيقته ، إذ كانت لا تعلم بمجرد الإخبار ، فإن المخبر إن لم يكن قد تصور المخبر به ، أو ما يعرفه قبل ذلك - لم يعرف حقيقته ، التي هي تأويله ، بمجرد الإخبار . وهذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلا اللّه . لكن لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى الذي قصد المخاطب إفهام المخاطب إياه ، فما في القرآن آية إلا وقد أمر اللّه بتدبرها ، وما أنزل آية إلا وهو يحب أن يعلم ما عنى بها ، وان كان من تأويله ما لا يعلمه إلا اللّه . فهذا معنى التأويل في الكتاب والسنة وكلام السلف ، وسواء كان هذا التأويل موافقا للظاهر أو مخالفا له . والتأويل في كلام كثير من المفسرين ، كابن جرير ونحوه ، يريدون به تفسير الكلام وبيان معناه ، سواء وافق ظاهره أو خالف ، وهذا اصطلاح معروف . وهذا التأويل كالتفسير ، يحمد حقه ، ويرد باطله . وقوله تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آل عمران : 7 ، الآية - فيها قراءتان : قراءة من يقف
--> ( 179 ) متفق عليه .